الصالحي الشامي
27
سبل الهدى والرشاد
الباب السادس في بره وشفقته ، ورحمته ، وحسن عهده صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [ الأنبياء 107 ] قال بعض العارفين : من رحمة الله تعالى خلق الله عز وجل الأنبياء من الرحمة ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ، عين الرحمة ، وروى ابن أبي الشيبة ، والإمام أحمد ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه : قام صلى الله عليه وسلم ليلة ، فقرأ آية يرددها ، يركع بها ، ويسجد ، وبها يقوم ، ويقعد ، حتى أصبح ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) [ المائدة 118 ] فلما أصبح قلت : يا رسول الله ، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت ، قال : ( فإني سألت ربي الشفاعة لأمتي ، وهي نائلة - إن شاء الله تعالى - من لم يشرك بالله تعالى شيئا ) قلت : فما أجبت ؟ قال : ( أجبت بالذي لو اطلع كثير منهم لتركوا ) ، قال : فإذا أبشر الناس ، قال : بلى ، فقال عمر يا رسول الله إنك إن بعثت إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة ، فناداه أن ارجع ( 1 ) . وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : ما رأيت أحدا كان أرحم بالعباد من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى الشيخان عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني لأدخل في الصلاة ، وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجدانه من بكائه ( 2 ) . وروى مسلم ، وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم ( إنهن أضللن كثيرا من الناس ، فمن تبعني فإنه مني ، ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) [ إبراهيم 36 ] وقال في عيسى عليه السلام : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) [ المائدة 118 ] فرفع يديه ، وقال : ( اللهم أمتي ، أمتي ، وبكى ) فقال الله عز وجل : ( يا جبريل اذهب إلى محمد ، فقل له ، واسأله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ، وهو أعلم ، فقال الله عز وجل : ( يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له : إنا سنرضيك في أمتك ، ولا نسوؤك صلى الله عليه وسلم ) ( 3 ) . وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، والإمام أحمد عن زيد بن ثابت
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 5 / 149 والنسائي 2 / 177 وابن ماجة 1 / 429 ( 1350 ) والحاكم 1 / 241 . ( 2 ) سيأتي . ( 3 ) أخرجه مسلم 1 / 191 والبيهقي 70 / 205 والطبري 13 / 151 وعبد الرزاق ( 2697 ) .